محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
السماوات والأرض ، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم ، فجوزوا ذلك ، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم ، قالوا : وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة . قالوا : ومعنى الكلام : سنفرغ لكم أيها الثقلان ، فيقال لهم : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن الأجلح ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم ، قال : " إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها ، ونزل من فيها من الملائكة ، فأحاطوا بالأرض ومن عليها بالثانية ، ثم بالثالثة ، ثم بالرابعة ، ثم بالخامسة ، ثم بالسادسة ، ثم بالسابعة ، فصفوا صفا دون صف ، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم ، فإذا رآها أهل الأرض ندوا ، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه فذلك قول الله : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وذلك قوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ وقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ وذلك قوله : وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ، فانفذوا هاربين من الموت ، فإن الموت مدرككم ، ولا ينفعكم هربكم منه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الآية ، يعني بذلك أنه لا يجيرهم أحد من الموت ، وأنهم ميتون لا يستطيعون فرارا منه ، ولا محيصا ، لو نفذوا أقطار السماوات والأرض كانوا في سلطان الله ، ولأخذهم الله بالموت . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يقول : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموه ، لن تعلموه إلا بسلطان ، يعني البينة من الله جل ثناؤه . وقال آخرون : معنى قوله : لا تَنْفُذُونَ لا تخرجون من سلطاني . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يقول : لا تخرجون من سلطاني . وأما الأقطار فهي جمع قطر ، وهي الأطراف . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال : من أطرافها . وقوله جل ثناؤه : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها يقول : من أطرافها . وأما قوله : إِلَّا بِسُلْطانٍ فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : معناه : إلا بينة وقد ذكرنا ذلك قبل . وقال آخرون : معناه : إلا بحجة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن رجل ، عن عكرمة لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ قال : كل شيء في القرآن سلطان فهو حجة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : بِسُلْطانٍ قال : بحجة . وقال آخرون : بل معنى ذلك إلا بملك وليس لكم ملك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن مروان ، قال : ثنا أبو العوام ، عن قتادة فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ قال : لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ قال : إلا بسلطان من الله ، إلا بملكة منه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يقول إلا بملكة